القرطبي
274
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ذلك فيها ، أما أنه يتركب عليها فرع حسن ، وهو أن الحالف إذا قال والله لا دخلت الدار ، وأنت طالق إن دخلت الدار ، واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله في قلبه ، واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدة أو سبب أو مشيئة أحد ، ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا على المحلوف [ له ] ( 1 ) ، فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه ، وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة ( 2 ) ، فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه الاستثناء ، وإنما يكون ذلك نافعا له إذا جاء مستفتيا . قلت : وجه الاستثناء أن الله تعالى أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية ، فكذلك الحالف إذا حلف إرهابا وأخفى الاستثناء . والله أعلم . قال ابن العربي : وكان أبو الفضل المراغي ( 3 ) يقرأ بمدينة السلام ( 4 ) ، وكانت الكتب تأتي إليه من بلده ، فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه ، فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضا من الطلب وعزم على الرحيل ، شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل ، فقرأ فيها ما لو أن واحدا منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم ، فحمد الله ورحل على دابة قماشه ( 5 ) وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان ، وتقدمه الكري ( 6 ) بالدابة وأقام هو على فامي ( 7 ) يبتاع منه سفرته ( 8 ) ، فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر : أما سمعت العالم يقول - يعني الواعظ - أن ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة ، لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكرا ، ولو كان ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب : " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " ( 9 ) [ ص : 44 ] وما الذي يمنعه من أن يقول : قل إن شاء الله ! فلما سمعه يقول ذلك قال : بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة ؟ لا أفعله أبدا ، واقتفى أثر الكري وحلله من الكراء وأقام بها حتى مات .
--> ( 1 ) الزيادة عن ابن العربي . ( 2 ) في ع : النية فإن حضرته نية . الخ . ( 3 ) نسبة إلى المراغة ، وهي بلدة مشهورة من بلاد أذربيجان . ( 4 ) مدينة السلام بغداد وقيل : سميت بذلك لان دجلة يقال لها وادى السلام وقيل : سماها المنصور بذلك تفاؤلا بالسلامة . وتسمى أيضا بدار السلام على التشبيه بالجنة . ( معجم البلدان ) . ( 5 ) القماش : متاع البيت . ( 6 ) الكرى : المستأجر . ( 7 ) الفامي هاهنا الخباز . ( 8 ) السفرة : طعام يتخذه المسافر . ( 9 ) راجع ج 15 ص 212 .